أنبياء ورسل

قصة سيدنا يوسف

قصة سيدنا يوسف

قصة النبي يوسف عليه السلام

وردت قِصة نبيُّ الله يوسف عليه الصلاة والسلام في القرآن الكريم مرةً واحدةً في سورةٍ واحدةٍ كاملة، خصَّصها الله تعالى لهذا الغرض، وهي سورة يوسف، حيث إنها جاءت مسرودةً بشكلٍ كامل، ولم تُذكر أو تُكرَّر في أي مكانٍ في القرآن، وهذه السورة سُمِّيَت بسورة يوسف، فعن عبدالله بن مسعودٍ رضي الله عنه قال: “كُنتُ بحمص، فقال لي بعض القوم: اقرأ علينا، فقرأتُ عليهم سورة يوسف” [البخاري:50001، مسلم:801، واللفظ لمسلم”، فهذه القصَّةُ العظيمة فيها من العِبّرِ والفوائد ما ليس له نهاية، وألف، واخترع، وزاد في هذه القصَّة أشياءً كثيرةً ليس لها أصل لا في الكتاب ولا ي سنةِ الحبيب المصطفى عليه أفضل الصلاة وأتَمُّ التسليم، ولذلك كان لِزاماً أن يتمَّ سرد هذه القصة من غير زيادةٍ ولا نُقصانٍ، وبالاستدلال من كتاب الله تعالى وسنة نبيه، وأقوال أهل العلم من الشُّراح والمفسرين.

أحداث القصة

بدأت القِصَّةُ عندما أخبر يوسف عليه السلام أباه يعقوب عليه السلام أنه رأى رؤيا في المنام، وهي أنه رأى أحد عشر كوكباً من كواكب السماء، ومعهم الشمس والقمر يسجدون له، فردَّ عليه والده يعقوب عليه السلام بأن يكتم هذه الرؤيا عن إخوته، وأن لا يخبرهم بها، وذلك لأنه يخشى على يوسف عليه السلام أن يحسده إخوته، وأنهم سيكيدون له مكيدةً حتى يتخلَّصوا منه، لأنه سيُصبح رئيساً وذو شرف عليهم، ولأن الشيطان الذي هو من أشدِّ أعداء الإنسان، سيستغل هذه الفرصة، من أجل أن يوقع العداوة والبغضاء بين يوسف وإخوته.

إقرأ أيضا:هل صلاة التراويح هي قيام الليل

تحذير سيدنا يعقوب لنبي الله يوسف

إلا أن تحذير يعقوب عليه السلام لابنه يوسف عليه السلام لم يوقف كيد الشيطان للإيقاع بين الإخوة، حيث إن يوسف وأخوه بنيامين عليهما السلام كانا من أحبِّ الأبناء ليعقوب عليه السلام، فكان يعقوب يفضِّلهما، ويَعطف عليهما، لِما رأى ما فيهما من الخير والبركة، فاستغل الشيطان هذه الفرصة، ووسوس لأخوة يوسف عليه السلام وقذف في قلوبهم الحسد والغيرة من يوسف وأخيه، وفي ذات يومٍ وهم مجتمعون هؤلاء الإخوة، قالوا لبعضهم البعض يتناقشون أمر يوسف، فقالوا: إن أبانا يحبُّ يوسف وأخاه بنيامين أكثر منا، مع أننا نحن عُصبةٌ وجماعةٌ أقوياء، وفينا الخير الكثير، وأخذوا يمدحون أنفسهم، وقالوا عن أبيهم أنه بفعله هذا، بحبه ليوسف أكثر منا، مُخطئٌ خطئاً عظيماً واضحاً، وعندها ظهرت الفكرة الشنيعة التي بَثَّها الشيطان في عقولهم، وهي أن يقتلوا يوسف عليه السلام، أو يُغيِّبوه عن أبيهم يعقوب عليه السلام في أرضٍ وبلادٍ بعيدة، حيث إن فعلوا ذلك، فإنَّ أباهم يعقوب عليه السلام سينساه مع مرور الزمن، ويُصبح متفرِّغاً لهم، ويُغدِق عليهم بالمحبة والشفقة التي كان ليوسف منها الحظ الكبير، كما إنهم قالوا لبعضهم البعض، إننا سنستغفر الله من هذا الفعل، ونتوب إليه بعد أن ننتهي، وما قالوا هذا الكلام إلا من أجل أن يُسَوِّغوا لأنفسهم، ويُقْبِلوا عليه من غير تأنيب ضمير، لكن في هذه اللحظة قال أحدُ هؤلاء الإخوة: إن قتل يوسف فيه إثمٌ عظيم، والأفضل أن لا نقتله، وإنما الأفضل أن نلقيه ونرميه في البئر، وعندما يأتي بعض المسافرين الذين يريدون التَّزوُّد بالماء، سيجدونه ويأخذونه إلى بلادٍ بعيدةٍ عن أبينا، وكان هذا أقل الآراء شناعةً.

إقرأ أيضا:كيف قامت الدولة العباسية

مكيدة إخوة سيدنا يوسف

لما عَزَموا أمرهم، واتفقوا على الطريقة والخُطَّة التي سينزعون بها يوسف عليه السلام من أبيهم، ذهبوا إلى أبيهم يعقوب عليه السلام، وطرحوا عليه فكرة أن يذهب يوسف معهم للتَّنزُّه في البَرِّيَّة، لكن يعقوب عليه السلام كان رجلاً حكيماً، وذو فَراسة، فشعر بأن في الأمر مكيدة، لكنه لا يملك الدليل لاتهامهم بأنهم يكيدون ليوسف، فلم يَكُن منه إلا أن يرفض إرساله معهم، لكنهم بدأوا بمجادلته، أن يُرسله معهم، وقالوا له: لماذا تخشى على يوسف مِنَّا؟ ولا يوجد سببٌ عندك لهذا الخوف عليه منا، وقالوا له: إنا له لناصحون، ومشفقون، ونُحبُّ له ما نُحبُّ لأنفسنا، فإن أرسلته معنا فإنه سيلعب ويستأنس كما نلعب نحن ونستأنس في البرِّيَّة، وفوق هذا كلِّه، سنكون له مُراعون، وحافظون من كل شرٍّ وسوء، فعندها قال يعقوب عليه السلام لهم: إنه ليحزنني أن تأخذوه معكم، وأنا لا أحبُّ مفارقته ولو للحظة، كما أنني أخشى أن تغفلوا عنه وأنتم تلعبون، فيأتي الذئب ويقتله، أو يأكله، فعندها أجابوه مباشرة: كيف للذِّئب أن يأكله ونحن جماعة وعصابةٌ أقوياء، لأنه إن فعل الذئب ذلك ونحن بهذه الكثرة والقوة، إذاً لا خير فينا يُرجى، فما كان ليعقوب إلا أن يُوافق على طلبهم، من أجل أن يلعب يوسف عليه السلام، ويفرح، ويستأنس.

إقرأ أيضا:صفات النبي محمد الخلقية والخلقية

هكذا خلا لهم الأمر وأخذوا يوسف عليه السلام معهم إلى البرِّيَّة بعد ما أن سمح له أبو يعقوب عليه السلام، فبدأوا بتطبيق مخططهم الذي أجمعوا على أنه الرأي الصواب، وهو ما قاله أحدهم بأن يجعلوا يوسف عليه السلام في البئر، ولكنَّ الرعاية الرَّبَّانية لنبيه يوسف عليه السلام كانت تفوق مخططاتهم، حيث إن الله سبحانه وتعالى أوحى ليوسف عليه السلام بأنه سيُخبرُ إخوته في المستقبل عن هذا الفِعل الذي فعلوه معه، وأنه سيُعاتبهم على ذلك وهم لا يشعرون، حتى يطمئنَّ يوسف عليه السلام، ويعلم أنه سوف ينجو من هذه المكيدة.

بعد ما أن رموا يوسف عليه السلام في الجُبِّ، رجعوا متأخرين إلى أبيهم يعقوب عليه السلام وهم في حالةٍ حزينةٍ، يبكون على ما حدث، فقالوا كذباً لأبيهم: يا أبانا إننا ذهبنا نتسابق بين بعضنا -إما بالركض على الأقدام أو برمي النَّبْل- وتركنا يوسف عند أغراضنا ومتاعنا مشغولاً بلعبه، فأتى الذئب إليه وأكله في لحظة انشغالنا عنه بالتسابق، ونعلم أنك يا أبانا لن تصدِّقنا بسبب شِدَّة حُزنك وشفقتك عليه، ولهذا السبب، وحتى يأكدوا على صدق مقولتهم الكاذبة، أحضروا شيئاً من ملابس يوسف عليه السلام، وهو قميصه الذي كان يلبسه، وعليه دمٌ كإثباتٍ أن الذئب قتل يوسف عليه السلام وأكله، ولكنَّ يعقوب عليه السلام لم يُصدِّقهم، وقال لهم أن أنفسكم زيَّنت لكم شيئاً قبيحاً، حتى تستطيعوا التفريق بيني وبين يوسف، وذلك لأن يعقوب قد علِم من الأمور التي لا يعلموها هم، كرؤيا يوسف عليه السلام، ومع شِدَّةِ حُزنه وألمه، إلا أنه ذكَّرَ نفسه بالصبر على قضاء الله وقَدَرِه، وأنه لا يجوز له أن يسخط على ذلك، وإنما عليه الصبر، والاستعانة بمُصرِّف الأمور كلها، وهو الله سبحانه وتعالى.

بقي يوسف عليه السلام في البئر ما شاء الله له أن يبقى، حتى جاءت قافلةٌ كانت متَّجهةً إلى مصر، حيث إن القافلة أرسلت أحد عُمالها ليُحضر لهم ماءً للشرب، فلما رمى هذا المُكلَّف بإحضار الماء دلوه في البئر تعلَّق به يوسف عليه السلام، عندما رآه استبشر وفرح الرجل بهذا الصيد الثمين، وقال إن هذا الغلام سيُباع بمالٍ وفير، حيث إن إخوة يوسف عليه السلام كانوا يراقبون الأمر من قريب، ولما عرفوا أن هذه القافلة أسرت يوسف عليه السلام، جاءوا إليهم وقالوا أن هذا الغلام لنا، وضاع أو هرب منا، فعندها دفعت هذه القافلة مالاً لإخوة يوسف عليه السلام، وكان مالاً زهيداً، لأن إخوته لم تكن عندهم النيَّة لبيعه، وإنما كانت نيتهم فقط التَّخلص منه.

شراء العزيز ليوسف عليه السلام

عندما وصلت القافلة إلى مصر، وعرضوه للبيع، رآه أحد كبارها، وهو عزيز مصر، فأُعجِب به كثيراً، واشتراه منهم، وأخذه معه إلى البيت وطلب من زوجته أن تُكرمه وتهتمَّ به جيداً، لربما ينفعهم كخادمٍ أو يتَّخذوه ابناً لهما، وهذا من تدبير الله للأمور، حيث إن أمر الله نافذٌ ولا يُعيقه شيء، فشراء العزيز ليوسف عليه السلام، وإعجابه به كانت بداية تمكين يوسف عليه السلام، وحتى يتعلم أموراً كثيرة، كعلم الأحكام، وعلم التأويل.

بقي يوسف عليه السلام يترعرع في بيت العزيز، وهو في غاية الإكرام له، حتى إذا أصبح شاباً واكتمل في قوته، وعقله، وجسده، وأصبح صالحاً لأن يكون حاملاً للمسؤولية، وأمور النُّبوة، جعله الله نبيّاً ورسولاً، وهذا من جزاء الله لعباده المُحسنين، الذي يعبدون الله حقَّ العبادة، وبذلون في سبيله سبحانه النُّصح، والجهد، والنفع، والإصلاح للناس الذين ضلوا الطريق السليم.

مراودة زوجة العزيز لسيدنا يوسف

هنا بدأت المِحنة الثانية ليوسف عليه السلام، حيث إنه بعدما أن أصبح شاباً، قوياً، وذو جمالٍ قلَّ أن يوجد عند أحدٍ من الرجال، لاحظت زوجة العزيز ذلك، وأغراها الشيطان أن تراود يوسف عليه السلام بأن يفعل معها الفاحشة، واستغلت لحظةً عندما انفردت به، وأغلقت الأبواب، بعد ما أن زيَّنت نفسها، وعرضت نفسها عليه، فلما رأى ذلك يوسف عليه السلام، رفض، واستعاذ بالله من أن يفعل شيئاً كهذا، لأنه يعلم أن هذا ظُلمٌ، ومعصيةٌ، وشناعةٌ لا يرضاها الله، وأن عقوبتها عند الله عظيمة، وغير ذلك فإنه يحفظ الجميل، لأن العزيز أكرمه، واعتنى به، وحفظه، فلن ييردَّ يوسف عليه السلام هذا الجميل بالخيانة، ولكنَّها بدأت بمراودته، فما كان منه عليه السلام إلا دفعها عن نفسه، وهرب منها إلى الباب، ليتخلص من هذه الفتنة، وهذه المعصية، فتعلَّقت هي بملابسه، وبسبب هذا الجذب تمزَّق قميصه وانشق من الخلف، فلما وصلا الباب، إذا بزوجها واقفٌ عند الباب، ويرى هذا المنظر الذي كان صعباً عليه، فما كان منها إلا أن تبدأ بالكلام والكذب قبل أن يقول يوسف عليه السلام شيئاً، وادَّعت أن الذي بدأ بالمراودة هو يوسف، وأنها كانت رافضةً لذلك، وقالت: ما هو جزاء الذي يفعل ذلك بزوجتك، أليس جزاؤه السجن، أو أن يُعذَّب عذاباً شديداً؟ فما كان من يوسف عليه السلام، إلا أن يُبرِّئ نفسه ويقول: هي التي كانت تراودني، وأنا رافضٌ لهذا، حيث إن هذه اللحظة كانت من أصعب الأمور على يوسف عليه السلام، ولكنَّ الله سبحانه وتعالى لا يترك عباده المتقين، الذين يحفظونه بالغيب، فهو حافظهم في الشَّدائد، وحتى يعلم العزيز من الصادق ومن الكاذب، أرسل إلى واحدٍ من أهلها حتى يشهد على هذه الحادثة، فقال الشاهد: إن كان قميصه تمزَّق من الأمام، فهذا يعني أنها صادقة وهو كاذب، لأنه يتمزَّق من الأمام عندما يكون هو مقبلٌ عليها، وهي تدفعه عن نفسها، وإن كان قميصه قد تمزَّق من الخلف، فهذا يعني أنها كاذبة وهو صادق، لأنه سيكون هو الممتنع عنها وهي تجذبه إليها، فلما تفحَّصوا القميص، فإذا به تمزَّق من الخلف، فعلم زوجها أنها كاذبة، وأن يوسف عليه السلام بريءٌ وصادق، فعندها قال العزيز ليوسف عليه السلام: انسى الأمر، ولا تُخبر به أحداً، وقال لزوجته: توبي من فعلتك هذه واستغفري.

بعد هذه الحادثة، انتشر الخبر بطريقةٍ ما في المدينة، وأخذت نساء المدينة تتناقله بين بعضهن البعض ويَقُلْنَ بأن زوجة العزيز تحاول مراودة الفتى الذي عندها لفعل المعصية معها، وذلك بسبب أنها وقعت في هوس حبه، فهي ضلَّت ضلالاً بعيداً، فعندما سمعت زوجة العزيز ما تتناقله نساء المدينة، دعتهن للضيافةِ عندها، وجهَّزت لهنَّ مجلساً وطعاماً، حيث إن هذا الطعام يتطلَّبُ سكيناً لتقطيعه وأكله، وأعطت كل واحدةٍ منهنَّ سكيناً، وجهزت يوسف عليه السلام، ولما كُنَّ نساء المدينة في هذه الضيافة، أمرت زوجة العزيز يوسف عليه السلام بأن دخل عليهن في مجلسهن، وكان عليه السلام أوتي من الجمال والبهاء آيةً تُبهر الناظرين إليه، فلما رأين نساء المدينة يوسف عليه السلام وحال جماله وبهائه، جرحن أيديهن من غير أن يشعرن بذلك، لالتهائهن بالنظر إلى هذا الشاب المنقطع الجمال، وقُلْنَ أن هذا ليس بإنسان، ولا بشر، وإنما هذا مَلَكٌ كريم، فعندها قالت امرأة العزيز، هذا هو الذي شغفني بحبه، وهذا هو الذي كنتنَّ تلومونني فيه، وحتى تبيِّن شِدَّة جماله، بيَّنت لهنَّ جماله الداخلي أيضاً، حيث إنه يرفض وصالي، وهذا لعفَّته، ولكن إن لم يفعل ما أمرته بيه، فإنَّه سيُسجن، ويُهان.

عندها لجأ يوسف عليه السلام إلى الاستعانة بالله العلي القدير، وقال: يا ربِّ السِّجنُ أحَبُّ إليَّ من هذا الذي يطلبوه مني، من وصال زوجة العزيز بالحرام، ويا ربِّ إني ضعيف من دونك، فإن لم تُهب عني كيدهن هذا، وإن لم تحفظني، فمن ذا الذي سيُنقذني منهن غيرك، ولسبب ضعفي، وقِلَّة حيلتي، أخشى أن أُطيعُهُنَّ في هذا الضلال المُبين، فعندها استجاب الله سبحانه وتعالى لدعاء يوسف، وصرف عنه كيد زوجة العزيز، لأنَّ الله تعالى يعلم صِدق نيَّته، وإخلاصه في طاعته.

سجن سيدنا يوسف عليه السلام

الخبر ظل ينتشر وينتشر في المدينة، وأصبح الشاغل في حديث الناس، فرأى المسؤولون بأن يُدخلوا يوسف في السجن، حتى ينقطع سبب الإشاعات هذه، فينسى الناس القصة، وهكذا دخل يوسف عليه السلام السجن مظلوماً، وكان من ضمن الذين دخلوا السجن أيضاً فتيان، في قضيَّةٍ أخرى، وفي أثناء فترة السجن، رأى هاذان الفتيان ما عليه يوسف من الورع، والتقوى، والإحسان، فسألاه عن رؤياهما التي رؤوها ليُفسِّرها لهم، فقال الأول: رأيت في المنام أنني أعصر الخمر، وقال الآخر: لقد رأيت في المنام أنني أحمل فوق رأسي خبزاً، وكانت الطيور تأكل منه، فأجاب يوسف عليه السلام، وقد أوتي من تأويل الأحاديث من ربِّه سبحانه وتعالى ما أوتي، فقال لهما مستغلاً اللحظة للدعوة إلى الله: إن ما ريانه بي، ما هو إلا من فضل الله سبحانه وتعالى عليَّ، وفارقت قوماً لا يؤمنون بالله، واتبعت دين وملَّة إبراهيم، وإسحاق، ويعقوب، وهي ملَّة التوحيد لله الواحد الأحد، وأن هذا العلم الذي عندي ما هو إلا من فضل الله علي، وأريد لكما الخير كما أريده لنفسي، فأسلموا واتبعوا هذه الملَّة العظيمة، ثم تابع وقال: يا أصحابي، الأول الذي رآى أنه يعصر الخمر، فإن تأويل رؤياه بأنه سيخرج من السجن، ويُصبح ساقياً للخمر لسيِّده، وأما الآخر الذي رآى الطير تأكل من الخبز الذي يحمله فوق رأسه، بأنه سيتمُّ صلبه حتى الموت، وأن الطيور ستأتي وتأكل من رأسه.

هنا جاء يوسف عليه السلام للفتى الذي سيخرج من السجن ويعمل ساقياً للخمر عند سيده، وطلب منه أن يشرح لسيده حاله، وأنه قد سُجِن ظُلماً وبهتاناً، لعله يرِقُّ قلبه، فيُفرِج عنه، لكن ذلك الفتى بعد خروجه، نسي أمر يوسف عليه السلام، وهذا من تدبير الله تعالى ليوسف، من أجل ما هو خيرٌ له من أن يخرج من السجن فقط، وإنما حتى يُصبح له التمكين في البلاد.

رؤية الملك

هنا يأتي ما دبَّره الله تعالى من الخير ليوسف عليه السلام، وهذا بأن الملك رأى رؤيا أخافته في منامه، وهي أنه رأى سبع بقراةٍ هزيلات ضعيفات يأكلن سبع بقراتٍ سميناتٍ أقوياء، وسبع سنبلاتٍ من القمح خُضْر، وسبع سنبلاتٍ غيرهن يابسات، وسأل الملك حاشيته من المفسرين، والحكماء، لكنهم لم يعرفوا تأويلها، وقالوا إن هذا ما هو إلا حديث نفسٍ وأضغاث أحلام، ونحن لسنا بعارفين بأتويل الأحلام.

خلال تلك اللحظة، سمع الفتى الذي نجا وأصبح ساقياً عند سيده بهذه الرؤيا، وأن الملك يسأل عنها، فقال أرسلوني إلى يوسف حتى أسأله، لأنه رأى كيف أن تعبيره لرؤياه ولرؤيا صاحبه الآخر تحققت، وصدق يوسف عليه السلام في تعبيره، فلما ذهب إليه هذا الفتى، سأله عن رؤيا الملك، فأجاب يوسف عليه السلام، بأن السبع بقراتٍ سِّمان، والسبع سنبلاتٍ خُضْرٍ، هي سبع سنين فيها يوكون المحصول خصباً، وأما السبع بقرات هزيلاتٍ، والسبع سنبلاتٍ يابساتٍ، هي سبع سنين ينتشر فيها القحط، ولا تُخرج الأرض من خيرها شيئاً، وهنا تأتي حكمة يوسف عليه السلام التي أنعم الله عليه بها، حيث إنه لم يتوقف على تأويل الرؤيا، بل وأعطاهم الحل، والمخرج من هذه المصيب، فقال: ستزرعون سبع سنين، وتدَّخرون ما تحصدونه في سنبله، إلا القليل مما تستخدمونه في طعامكم، ثم تأتي السنين الجافة، فتستخدمون هذا الذي ادَّخرتموه، ثم يأتي عامٌ فيه يُغاث الناس، فتُمطر السماء، وتُنبت الأرض.

رجع الفتى إلى الملك وأخبره بما قاله يوسف عليه السلام في تأويل رؤياه، ففرح وأُعجب بها، وطلب بأن يأتوا بيوسف عليه السلام إليه، فلما أتى رسول الملك لعند يوسف عليه السلام في السجن، وأخبره بأن الملك يريده في الحال، رفض يوسف عليه السلام الخروج، وقال للرسول: إرجع إلى الملك، واسأله عن خَطْب النساء اللواتي راودنني عن نفسي لفعل المعصية، فعندها رجع الرسول إلى الملك وأخبره بطلب يوسف عليه السلام، فنادى الملك بالنسوة، وسألهن عن شأنهن وقصَّتهن مع يوسف، فقُلْن بأنَّهنَّ لا يعرفن عنه إلا كل خير، وأنه من خير البشر، فعندها جاء دور امرأة العزيز، فقالت واعترفت بذنبها، وأنها هي التي كانت تراوده عن نفسه، لكنه عليه السلام كان يرفض، ويستعفف، فلما ظهرت براءة يوسف عليه السلام بأكمل وجه، وأنه من أعفِّ الناس، طلب الملك بأن يأتوا بيوسف عليه السلام إليه، ليتَّخذه من المُقرَّبين، والمُستخلصين، وهكذا حصل، خرج يوسف من السجن، وذهب لعند الملك، وكلما بعضهما البعض، فازداد إعجاب الملك بيوسف عليه السلام، فقال له الملك: إنك يا يوسف اليوم عندي من المُقرَّبين، وإنك من الممكَّنين، ومن الأمناء على الأسرار.

عندها طلب يوسف عليه السلام من الملك أن يجعله على خزائن جبايات الأرض، وكيلها، وغِلالها، أي يُصبح حافظاً ومدبِّراً لها وعليها، وبهذا أصبح العزُّ، والحكم، والتمكين ليوسف بعد كل ما حصل له من الإمتحانات، والمِحَنِ، وهذا هو جزاء من صبر، واتقى، وأخلص لله، وهذا أجر الدنيا، لكن الأجر الذي ينتظره في الآخرة أعظم وأبقى.

خلال فترة إدارة يوسف عليه السلام، كانت أولاً السنين الخصبة، فدبرها يوسف عليه السلام أحسن التدبير، وزرع الزرع، وجمع وادخر بشكلٍ رائع، حتى إذا بدأت السنين المُمْحِلة، ووصل الجفاف إلى البقاع المجاورة لمصر، كأرض فلسطين التي يقطُن بها آل يعقوب، أرسل يعقوب عليه السلام إلى مصر حتى يأتوا له بالمؤن، والحاجات التي يريدونها، فلما وصل إخوة يوسف عليه السلام إليه، عرفهم، ولكنهم لم يعرفوه، لأنه أصبح رجلاً في كامل هيبته، وهم يعرفونه فقط في صِغَره.

جهَّز لهم يوسف عليه السلام بضاعتهم وكيلهم الذي كان يكيله لكل واحد، وكان يُعطي كلَّ واحدٍ حمولة بعيرٍ من الجِمال، حيث إن يوسف عليه السلام سألهم عن حالهم، وقالوا أن لهم أخاً صغيراً، وهو بنيامين، فعندها طلب يوسف منهم أن يحضروا أخوهم هذا حتى يُعطيه أيضاً حصة بعير، وطمَّعهم ورغَّبهم بهذا، وبعد ذلك أرهبهم بقوله، فإن لم تأتوني به فليس لكم من عندي شيء، عندها أجابوا أنهم سيحاولون الطلب من أبيهم بأن يُرسله معهم إلى مصر، وهذا يدل على أن يعقوب عليه السلام كان يُحبُّ بنيامين حباً شديداً، ولا يطيق البُعد عنه، وخاصةً بعد فقدانه ليوسف عليه السلام، وفي وقت الكيل لهم بالبضاعة، طلب يوسف من العُمَّال الذين يعملون عنده، أن يُرجعوا الثمن الذي أتى به إخوة يوسف مقابل البضاعة من مصر، وهذا إحسانٌ من يوسف لأهله، وأيضاً حتى يقذف الطمأنينة في قلوبهم اتجاهه، ويرجعوا إليه ومعهم أخاه.

لما رجعوا إلى أبيهم، أخبروه بأنه مُنِع منهم الكيل، وأنه يجب علينا أن نذهب مع بنيامين إلى مصر، فنأخذ حصصنا تامة، وأخبروا والدهم بأنهم سيكونون عليه من الحافظين، فردَّ عليهم يعقوب عليه السلام: كيف لي أن آمنكم على بنيامين؟ لأنني لم أنسَ ما حصل مع يوسف عندما كان معكم، فعندها فتحوا أمتعتهم ورأوا بأن البضاعة التي ذهبوا بها إلى مصر ثمناً للبضاعة التي سيأخذونها من هناك قد رُدَّت إليهم، ومعها الكيل الذي طلبوه من يوسف عليه السلام، فأخبروا أباهم بهذا الصنيع الجميل الذي من صاحب خزائن مصر -يوسف عليه السلام- وقالوا بأنه سيكون لكل واحدٍ منا كيلٌ كاملٌ، والأمر ليس بالصعب.

عندها وافق يعقوبٌ عليه السلام على طلبهم، ولكن بشرط، وهو أن يحلفوا بالله يميناً مغلَّظاً، ويعطوه موثقاً بأنهم سيرجعون بأخيهم بنيامين، إلا إذا حصل معهم أمرٌ بالفِعل لا يقدرون على رده، فوافقوا، وأعطوْ أباهم يعقوب عليه السلام هذا الموثق، والعهد، واليمين، فعندها طلب يعقوب عليه السلام منهم أنهم إذا جاؤوا مصر وأرادوا دخولها، أن لا يدخلوا من بابٍ واحدٍ، وإنما يدخلون من أبوابٍ مختلفة متفرقين، وكان هذا من خشية يعقوب عليه السلام على أولاده من أن يُصابوا بالعين والحسد، بسبب كثرة عددهم، وبهاء منظرهم.

لما جاؤوا إلى يوسف عليه السلام ومعهم أخوهم الأصغر بنيامين، كال لهم يوسف، وأعطى كلَّ واحدٍ منهم حمولة جمل، ولكنه دبَّر شيئاً من أجل أن يُبقي أخاه عنده، وهو أنه طلب من أحد العُمال بأن يضع إناء الملك، أو الوعاء في أغراض وحمولة جمل بنيامين، ثم أرسلهم عائدين إلى ديارهم، فلما همُّوا للإنطلاق إلى ديارهم، جاء أحد الرجال ينادي عليهم، ويقول إنكم لسارقون، فاستغرب إخوة يوسف من هذا الكلام، وقالوا إنهم لم يأتوا إلى هذه البلاد لنشر الفساد، أو السرقة، ثم سألوا هذا الرجل الذي نادى عليهم، ما هو الشيء الذي تفقدونه، فأجاب الرجل بأنهم يفقدون وعاء الملك الذي يُكال به، وإنه لمن وجده مكافأة حمولة بعير، ثم سأل هذا الرجل المنادي إخوة يوسف عليه السلام، كيف تجازون السارق في قانونكم، فأجاب الأخوة، أنه من وُجد عنده الشيء المسروق، فإنه يُصبح مملوكاً للمسروق منه، فبدأ الرجل بتفتيش متاع الأخوة، وأبقى متاع بنيامين آخر ما فتش، وأخرج الوعاء من متاع بنيامين.

لمَّا ذهبوا إلى يوسف عليه السلام، قالوا بأن هذا الفتى ليس شقيقهم، ويقصدون أن أمه ليست أمنا، وإنما نحن أخوةٌ من أبٍ واحد، وإن كان هذا الفتى فعل هذه السرقة، فنحن برآء من هذا الفِعل، وإن له أخاً فعل هذا من قبل، ويقصدون يوسف عليه السلام، فغضب يوسف، ولكنه كظم غيظه، ثم قالوا: يا أيها العزيز إن أباهُ رجلاً كبيراً بالسن، ونخشى أن يصيبه ما لا يحتمل بفراق ابنه، فأحسن إلينا وإلى أبينا واعف عنه، لأننا نراك من المحسنين، فرفض يوسف عليه السلام.

عندها قال كبيرهم، أنه سيبقى في مصر، وأوصاهم بأن يخبروا أباهم بما حصل، فلما أخبروه وأقسموا على ذلك، قالوا: يا أبانا إن لم تصدِّقنا فاسأل الناس الذين كانوا معنا، لأنهم شهدوا على الحادثة، ولكنَّ يعقوب عليه السلام لم يُصدِّقهم، واتهمهم كما اتهمهم بقضية يوسف، وأن هذا ما هو إلا كيدٌ هم دبروه، فما كان منه إلا أن يصبر ويستعين بالله، لأنه موقنٌ بأن الله سيُعيد له أبناءه الذين فقدهم، وهذا من قمَّة حسن الظَّن بالله، ولكنَّه مع ذلك شديد الحزن والكمد بسبب هذا الفراق، فبكى وقال يا أسفا على يوسف، فأخرج ما بقلبه من الحزن القديم، والذي زاد عليه الحزن الجديد، ومن شدَّة هذا الحزن، ابيضَّت عيناه، وفقد بصره عليه الصلاة والسلام، لكنه لم يفقد الأمل، وأمر أبناءه بأن يذهبوا ليفتِّشوا على يوسف وأخيه، لعلهم يجدونهم، لأنه لا يجوز اليأس من رحمة الله.

اعتراف إخوة يوسف بذنبهم

ذهب إخوة يوسف عليه السلام إليه، وطلبوا منه الكيل والتَّصدُّق عليهم بالكيل، لأن بضاعتهم كانت رديئةً وقليلة، فعندها أفصح لهم يوسف عن نفسه، واعترف لهم بأنه هو يوسف، وأن الذي بجانبه هو بنيامين، فلما عرفوا هذا، تفاجؤوا واعترفوا بذنبهم الذي أذنبوه بحق يوسف وأخيه، واستغفروا منه، فسامحهم، وعفا عنهم، وطلب منهم أن يأخذوا قميص يوسف عليه السلام، وأن يعطوه لأبيه يعقوب عليه السلام، لأنَّ هذه الرائحة، هي التي ستردُّ ليعقوب عافيته، ونشاطه.

لما جاء البشير الذي يحمل معه القميص والبشرى ليعقوب عليه السلام، وأمسك يعقوب هذا القميص، واشتم رائحته، ارتد عليه بصره، وفرح فرحاً شديداً، وحمد الله، فعندها اعترف إخوة يوسف بذنبهم، وطلبوا من أبيهم أن يستغفر لهم، فسامحهم، وشدُّوا الرِّحال إلى مصر للقاء يوسف عليه السلام وأخاه بنيامين، فلما وصلوا، ضمَّ يوسف عليه السلام أبويه إليه، وأجلسهم بالقرب منه، بِرًّا وإحساناً لهما، ورفعهما معه على سرير العرش، فعندها خرَّ إخوته وأبواه له سُجَّداً، على وجه التعظيم والتبجيل له، وكان هذا ليس ممنوعاً في شريعة يعقوب عليه السلام، ولكنه الآن في شريعة أمة محمدٍ عليه الصلاة والسلام أصبح ممنوعاً ومحرَّماً، فلما رأى يوسف عليه السلام هذا المنظر، أرجع الفضل الله وحده، وقال لأبيه: يا أبت، هذا هو تأويل الرؤيا التي رأيتها في صغري، بأن أحد عشر كوكباً يسجدون لي وهم أخوتي، والشمس والقمر أيضاً يسجدون لي، وهما والديّ، فالحمد لله الذي لا يضيع أجر المتقين.

السابق
مقاصد سورة يس
التالي
ما فوائد صلاة الليل والوتر