إسلاميات

ما حكم الزاني المتزوج

ما حكم الزاني المتزوج

تعريف الزنى

معنى الزنى لغةً

للزنى في لغة العرب لغتان، الأولى هي الاسم الممدود، فيقال: الزِّناء، وهذه لغة أهل نَجْد، وأما اللغة الثانية، هي لغة أهل الحجاز، ووافقتها لغة القرآن، فيقال: الزِّنى، فالثنية هي الأصل، كما في رسم القرآن، قال تعالى: {وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَى} [الإسراء: 32]، فهذا من ناحية الكتابة، وأما معنى الكلمة في لغة العرب، فتعني الضيق، فيُقال للحاقن: زناء، لأنه يضيق ببوله.

كما أن لها معانٍ أخرى، وهي قريبة من التعريف الاصطلاحي، فيُطلق الزنى على ما دون مباشرة المرأة الأجنبية من غير عقدٍ شرعي، كزنى العين النظر، وزنى اللسان الكلام، وهكذا، روى أبو هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “إنَّ اللَّهَ كَتَبَ علَى ابْنِ آدَمَ حَظَّهُ مِنَ الزِّنا، أدْرَكَ ذلكَ لا مَحالَةَ، فَزِنا العَيْنِ النَّظَرُ، وزِنا اللِّسانِ المَنْطِقُ، والنَّفْسُ تَمَنَّى وتَشْتَهِي، والفَرْجُ يُصَدِّقُ ذلكَ كُلَّهُ ويُكَذِّبُهُ” [البخاري: 6243]، كما إنه يعني وطء المرأة من غير عقدٍ شرعي [المفردات ص: 215، مختار الصحاح ص: 275]، [الحدود والتعزيرات عند ابن القيم، دراسة وموازنة لبكر بن عبد الله أبو زيد ص: 90].

معنى الزنى اصطلاحاً

تعريفه العام هو وطء المرأة من غير عذرٍ شرعي، إلا أن أهل العلم فصَّلوا في التعريف من عدة نواحي، فقال الحنفية: “هو إدخال المُكلَّف الطائع قَدْر حشفةٍ، قبل مشتهاة حالاً، أو ماضياً بلا ملك وشبهة، أو تمكينه من ذلك، أو تمكينها” [فتح القدير لابن الهمام 4\139]، وقال المالكية: “وطء مكلف مسلم فرج آدميٍّ لا ملك له فيه، باتفاقٍ تعمداً” [انظر مختص خليل مع شرحه جواهر الإكليل 2\283]، وقال الشافعية: “إيلاج الذَّكر بفرجٍ محرمٍ لعينه خالٍ من الشُّبهة، مشتهىً طبعاً” [المنهاج مع شرحه نهاية المحتاج للرملي 7\402]، وقال الحنابلة: “هو تغييب حشفةٍ في قُبُلٍ، أو دُبُرٍ حراماً مُحصناً” [جلاء العينين للألوسي ص: 18].

إقرأ أيضا:من هم أهل الكتاب

حكم الزاني المحصن في الإسلام

شرع الله الشرائع التي تناسب عباده، فهو الذي خلق البشر وكل شيء، ولذلك هو سبحانه الوحيد والأعلم لما هو أنفع، وأسلم، وأنجى للخلائق أجمعين، وقد أمر الله سبحانه وتعالى الناس إلى اتباع أوامره، واتباع نهج نبيه صلى الله عليه وسلم، فقال سبحانه وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ ۖ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [النساء: 59]، ومن بين هذه الشرائع هو حكم الزاني المحصن وحَدُّه، حيث إن الله قد حرَّم الزنى، وحرَّم الاقتراب من فقال تعالى: {وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا} [الإسراء: 32]، فجعله الله تعالى من الفواحش العظيمة، إن لم يتب فاعلها إلى الله سبحانه وتعالى، فإن الله سيُعاقبه على ما فعل، في الدنيا، أو في الآخرة، أو في كليهما.

وجعل الله أحكاماً في من يعصيه، بعضها أحكاماً تنزل على الناس في الدُّنيا، وبعضها تنزل على الناس في الآخرة، ومن هذه الأحكام، عقوبة الزاني المُحصن (الزاني المتزوج)، فقد دلَّت الأدلة، في الأحاديث الصحيحة، التي أجمع أهل العلم قاطبةً على عقوبة الزاني المُحصن، وهي الرَّجمُ بالحجارة حتى الموت، فقد صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه رجم، وعن أبي بكرٍ رضي الله عنه، وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وغيرهم من الصحابة، ومن تبعهم من خلفاء المسلمين، فعن عبد الله بن مسعودٍ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، يَشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وأَنِّي رَسولُ اللهِ، إلَّا بإحْدَى ثَلاثٍ: الثَّيِّبُ الزَّانِي، والنَّفْسُ بالنَّفْسِ، والتَّارِكُ لِدِينِهِ المُفارِقُ لِلْجَماعَةِ” [مسلم: 1676]، والثَّيب الزاني هنا، هو الزاني المحصن المتزوج [1]، فهذا الحديث يبيِّن أن حد الزاني القتل، لكن لم يُبيِّن أن طريقة القتل هي الرجم.

إقرأ أيضا:شروط الأضحية عند الإمام مالك

 إلا أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قد بيَّن ذلك في الحديث، فقال: “لقَدْ خَشِيتُ أنْ يَطُولَ بالنَّاسِ زَمَانٌ، حتَّى يَقُولَ قَائِلٌ: لا نَجِدُ الرَّجْمَ في كِتَابِ اللَّهِ، فَيَضِلُّوا بتَرْكِ فَرِيضَةٍ أنْزَلَهَا اللَّهُ، ألَا وإنَّ الرَّجْمَ حَقٌّ علَى مَن زَنَى وقدْ أحْصَنَ، إذَا قَامَتِ البَيِّنَةُ، أوْ كانَ الحَبَلُ أوِ الِاعْتِرَافُ – قَالَ سُفْيَانُ: كَذَا حَفِظْتُ – ألَا وقدْ رَجَمَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ورَجَمْنَا بَعْدَهُ” [البخاري: 6829]، ففي هذا الحديث يُبيِّن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن حَدَّ الزاني الذي أُقيم عليه البرهان والدليل بالشهود، أو الاعتراف منه طواعيةً هو الرجم، وكذلك الرجم للزاينة المحصنة التي أقيمت عليها البراهين إمابالشهود، أو الاعتراف، أو بالحمل، طبعاً هي محصنة لأنها كانت متزوجة، فغاب عنها زوجها إما بسبب سفر، أو انفصل عنها بسبب موته، أو تطليقه إياها، فهي أيضاً حدُّها الرجم [2].

اختلاف أهل العلم في مسألة الجمع بين الجلد مع الرجم

روى عبادة بن الصامت رضي الله عنه أنه قال: “كانَ نَبِيُّ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ إذَا أُنْزِلَ عليه كُرِبَ لذلكَ، وَتَرَبَّدَ له وَجْهُهُ قالَ: فَأُنْزِلَ عليه ذَاتَ يَومٍ، فَلُقِيَ كَذلكَ، فَلَمَّا سُرِّيَ عنْه، قالَ: خُذُوا عَنِّي، فقَدْ جَعَلَ اللَّهُ لهنَّ سَبِيلًا، الثَّيِّبُ بالثَّيِّبِ، وَالْبِكْرُ بالبِكْرِ، الثَّيِّبُ جَلْدُ مِئَةٍ، ثُمَّ رَجْمٌ بالحِجَارَةِ، وَالْبِكْرُ جَلْدُ مِئَةٍ، ثُمَّ نَفْيُ سَنَةٍ. وفي رواية: بهذا الإسْنَادِ. غيرَ أنَّ في حَديثِهِما البِكْرُ يُجْلَدُ وَيُنْفَى، وَالثَّيِّبُ يُجْلَدُ وَيُرْجَمُ، لا يَذْكُرَانِ سَنَةً وَلَا مِئَةً” [مسلم: 1690]، اختلف العلماء والمذاهب في حدِّ الزاني المحصن، فهل هو الجلد ثم الرجم، أم أن حدَّه هو الرجم فقط، فذهبوا لثلاثة آراء [الحدود والتعزيرات عند ابن القيم، دراسة وموازنة لبكر بن عبد الله أبو زيد ص: 129].

إقرأ أيضا:الأذكار في العشر الأوائل من ذي الحجة

القول الأول في حد الزاني المُحصَن

ذهب جمهور العلاماء، الحنفية، والمالكية، والشافعية، وأحد الروايتين للإمام أحمد بن حنبل إلى أن الزاني المُحصن لا جلد عليه، وإنما حَدُّه الرجم فقط [فتح الباري لابن حجر العسقلاني 12\119-120، 12\157]، [المُغْني لابن قدامة 10\124-126]، وقد استدلوا بعدَّة أحاديث صحيحة، وهي أن النبي صلى الله عليه وسلم رجم من غير جلد، وذلك في حديث (ماعز) الذي رواه جابرٌ بن سمرة رضي الله عنه، وأن النبيَّ صلى الله عليه وسلم رجمه ولم يجلده [مسلم: 1962]، وحديث (الغامدية) الذي رواه بريدة بن الحصيب الأسلمي رضي الله عنه، وأن النبيَّ صلى الله عليه وسلم أمر برجمها فقط، ولم يأمر بالجلد [مسلم: 1695]، وحديث (اليهوديين) الذي رواه عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، وفي هذا الحديث أمر النبي عليه الصلاة والسلام بالرجم فقط [البخاري: 6841]، فأخذوا أن حكم الجلد مع الرجم قد نُسِخ بفعل النبي، وأن حادثة ماعزٍ والغامدية كانتا بعد حديث عبدالله بن الصامت رضي الله عنه، ولهذا أكَّدوا حكم النَّسخ للجلد مع الرجم، وأثبتوا حكم الرجم فقط [زاد المعاد لابن القيم الجوزية 3\207-208] ويمكن الاطلاع على أدلَّة أُخرى ذكرها الشيخ بكر بن عبد الله [الحدود والتعزيرات عند ابن القيم، دراسة وموازنة لبكر بن عبد الله أبو زيد ص: 130]

القول الثاني في حد الزاني المحصن

قالوا أصحاب الرأي الثاني وهو قول الظاهرية، وإحدى روايات الإمام أحمد بن حنبل بأن الزاني، أو الزانية المحصنين يُجلدوا مائة جلدة، ومن ثم يُرجموا، وقد استدلوا بحديث عبادة بن الصامت الذي تمَّ ذِكره سابقاً، واستدلوا بفعل علي بن أبي طالب رضي الله عنه، لأنه جلد امرأةً يُقال لها شراحة الهمدانية يوم الخميس، ثم رجمها يوم الجمعة [الحدود والتعزيرات عند ابن القيم، دراسة وموازنة لبكر بن عبد الله أبو زيد ص: 132].

القول الثالث في حد الزاني المحصن

قالوا بأن حد الزاني المحصن هو الجلد ثم الرجم للشيخ والشيخة، وأما الشاب فليس عليه حد الجلد، وإنما الرجم فقط، وقد استدلوا بالآية المنسوخة تلاوةً، ولكنها ثابتةٌ حُكماً، وهي التي ذكرها عمر بن الخطاب رضي الله عنه، والذي صحَّحه البخاري برقم: [6829]، فالآية تقول، قال تعالى: {الشَّيخُ والشَّيْخَةُ إِذَا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا البَتَّة} [صحيح ابن ماجه: 2083، وصححه الألباني] فهذه الآية نُسِخت من القرآن تلاوةً إلا أن حُكمها بقي ولم يُنسخ.

السابق
من هم أهل الكتاب
التالي
حكم الخوف من الموت