إسلاميات

ما حكم المرتد عن الإسلام

ما حكم المرتد عن الإسلام

الدين في الإسلام

كان وما زال الاختلاف بين الخَلْقِ في أديانهم وعقائدهم،ومللهم، من الأمور التي قَدَّرها الله سبحانه وتعالى على العِباد، ولذلك أرسل الله الرُّسُل، والأنبياء للعباد من أجل أن يُبَيِّنوا لهم الطريق الصحيح، والدين الحق، الذي لا ولن يُقبل من أحدٍ سواه، وكان آخر رسولٍ نبيٍّ أُرسل للناس، هو نبيُّنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم، فأظهر الله به هذا الدِّين على سائر الأديان السابقة، ويكون هذا الإظهار بثلاثة وسائل، بالحُجَّةِ، والبُرهان، والسيف، فدين الإسلام هو الدين الوحيد الذي لم يردَّ حُجَّته أحدٌ من الخَلْق، وهو الدين الذي دلَّت كلُّ البراهين على صِحَّته، ولذلك هو الدين الأقوى انتشاراً على وجه هذه البسيطة.

الردة وتعريفها

  • الرِّدَّة لغةً: هي الرجوع عن الشيء، وهي التَّحَوُّل عنه، فيُقال: رَدَدْتُ الشيء، وأردُّه ردًّا، فهو مردود، ويُقال أن في الوجه رَدَّةً، هذا إذا كان الوجه قبيحاً [جمهرة اللغة للأزدي 1\72، لسان العرب لابن منظور 4\153].
  • الرِّدَّة اصطلاحاً: هو رجوع المسلم عن الإسلام، والتَّحول من الإسلام إلى الكفر بعد الإيمان [أحكام المرتد في الشريعة الإسلامية للدكتور نعمان عبد الرزاق السامرائي ص: 20].

الردة الواردة في القرآن

ورد مصطلح الردة في القرآن الكريم بمعنى الرجوع والتَّحوُّل عن الإسلام إلى الكفر بشكلٍ صريحٍ في عدَّة مواضع،ومن هذه المواضع، ما ورد في قوله تعالى: {وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۖ وَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 217]، وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ} [المائدة: 54].

إقرأ أيضا:ما هي مناسك الحج

كما ورد مصطلح الرِّدَّة بالمعنى، كما في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ} [آل عمران: 90]، وقال تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَّمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا} [النساء: 137]، وغيرها العديد من الآيات التي تذكر مصطلح الرِّدَّة بشكل صريح، أو بشكل غير مباشر، أو بالمعنى.

قال شيخ المفسرين في الآية [217] التي تم ذكرها سابقاً من سورة البقرة، أن الله تعالى يخاطب المؤمنين الذين آمنوا وصدَّقوا بالله وبرسوله، أن من يرتد، أي من يرجع عن هذا الإيمان وهذا الدين الحق إلى الكفر، فإنه لن يضرَّ الله بشيء، لأن الله سيستبدلهم بآخرين مؤمنين، وثابتين، يحبهم اللهُ، وهم يحبون اللهَ، وفي هذا إعجازٌ قرآني، بأن الله يعلم أن من بين الناس من سيرتد بعد وفاة النبي عليه الصلاة والسلام، وهم من ارتد من العرب، والذين قاتلهم أبو بكر الصديق رضي الله عنه، فاستبدل الله هؤلاء المرتدين بآخرين مؤمنين حق الإيمان، لا يبدلون دينهم، ولا يغيرون، ولا يرجعون عنه، كما أنهم أذلةٍ على بعضهم، أي رحماء فيما بينهم، وأشداء على الكفار [جامع البيان للطبري 6\182].

تقسيم أنواع الردة عن الإسلام

قسَّم العلماء الأمور التي تؤدي إلى الرِّدَّة والكفر إلى عِدَّة أقسام، فمنهم من جعلها في ثلاثة أقسام، كردة الاعتقاد، وردة الأقوال، وردة الأفعال، ومن العلماء من أضاف أمراً ثالثاً، وهو ردة الترك، ولذلك سيتم تبيان كل نوع، والأدلة عليه مستنبطة من الكتاب والسُّنة.

إقرأ أيضا:فضل الحج وأهميته

رِدة الاعتقاد

تكون ردة الاعتقاد في عدَّة أمور أولها، ردة الاعتقاد في حق الله سبحانه وتعالى، وردة الاعتقاد في حق القرآن الكريم، والردَّة التي فيما يوجب اعتقاده كفراً.

ردة الاعتقاد في حقِّ الله تعالى

اتَّفق العلماء أن كل من أشرك بالله، أو جحده، أو أنكره، أو نفى صِفةً من صفاته الثابتة، كصفة القُدْرة المُطلقة، أو صفة العِلم المُطْلق، بحيث أن مثل هذا الشخص لا يجهل هذه الصفة عن الله، كما أن الذي يثبت لله شيئاً، أنكره الله لنفسه أيضاً يرتد، كالذي يعتقد أن لله ولدٌ، أو زوجة، والذي أنكر شيئاً أثبته الله، كمن ينكر البعث، والحساب، والجنة، والنار، أو من استَخَفَّ بالله تعالى جادًّا، أو هازلاً، فكل من اعتقد في هذه الأمور مجتمعةً، أو اعتقد ولو بواحدةٍ منها، يُصبح كافراً مرتداً عن الإسلام، وهذا باتفاق الفقهاء [حاشية ابن عابدين 4\223، الإقناع 4\297، والإنصاف 10\326، وشرح منح الجليل 4\461].

نص المالكية على أن من يقول، أو يعتقد، بِقِدَمِ العالم، أو بقائه بقاءً أبديّاً، أو شَكَّ في ذلك، فإنه كافرٌ مرتدٌّ، واستدلُّوا بقول الله تعالى: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} [القَصص: 88]، وقوله تعالى: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (26) وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ} [الرحمن: 26-27]، ووافقهم في هذا القول الحصني الشافعي [شرح منح الجليل 4\462]، [كفاية الأخيار للحصني 2\202].

إقرأ أيضا:كيف يُنحر الجمل

كما أن الحنابلة قالوا بكفر من يعتقد (بالوساطة)، أي من يعتقد بأن هناك وسطاء بين العبيد وربهم، كمن يدعو أحداً كوسيطٍ بينه وبين الله، ويتوكل عليهم، أو يسألهم حاجته، بيحث إنه يعتقد نفع هذا الأسلوب [الإقناع 4\297، الإنصاف 10\327]، وفي النهاية يمكن القول، أن المسلم المؤمن بالله تعالى، يتوقف عند النصوص الوارد من القرآن والسنَّة الصحيحة، فيما يتعلق بالله، وصفاته، فالذي أثبته الله لنفسه أو أثبته النبي عليه الصلاة والسلام لله نُثبِته، وما نفى الله تعالى أو رسوله ننفيه، فالذي يخالف هذه القاعدة يُعرِّض نفسه للكفر، والعياذ بالله [أحكام المرتد في الشريعة الإسلامية دراسة مقارنة للدكتور نعمان السامرائي ص: 65-66].

الرّدّة في حق القرآن الكريم

تعهَّد الله سبحانه وتعالى بحفظ القرآن إلى يوم القيامة، بأن لا يَنقص منه شيء، وأن لا يتغير به شيء، حيث إن القرآن الكريم نُقِل إلينا بالتواتر، عبر الأجيال، جيلاً عن جيل، وهذه من أعلى درجات صِحَّةِ النقل، ولذلك فمن أنكر، أو جحد هذا القرآن، أو بعضه فقد ارتدَّ عن الإسلام، ويكفر بذلك [الإنصاف 10\326، والإقناع للحجاوي 4\297، وفتاوى السبكي 2\577]، حتى أن بعض العلماء قالوا بكفر من جحد كلمةٍ منه [بدر الرشيد ورقة رقم: 4]، كما أن البعض قال بكفر من أنكر حرفاً منه [الأعلام لابن حجر العسقلاني 2\42]، كذلك يقع في الرِّدَّة والكفر كل من اعتقد، أو قال أن القرآن الكريم متناقضٌ، أو أن فيه اختلاف، أو الشَّكُّ في إعجازه، أو القدرة على الإتيان بمثله، أو جزءٍ كمثله، ويقع في الكفر من أسقط حُرمته، أو ادعى الزيادة فيه [حاشية ابن عابدين 4\222، الإقناع للحجاوي 4\297، الفروع لابن مفلح (مخطوطة) 2\159].

أما بالنسبة لتفسير القرآن وتأويله، فجاحده لا يكفر، لأن التفسير والتأويل من عمل الإنسان، وعمل الإنسان لا يخلو من الخطأ والنسيان، ولأن التفسير من الأمور الاجتهادية البشرية، فعلى سبيل المثال، كالخوارج الذي تأوَّلوا بعض الآيات باستحلال بعض الدماء المُحَرَّمة والمعصومة، وأموالهم، فإنه لا يكفر، مع العلم أنه في خطرٍ عظيم لأنه يخالف فعل النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وفِعل أصحابه رضوان الله عليهم أجمعين، فهذا بسبب أن هذا الاستحلال كان بسبب اجتهادٍ خاطئٍ، أو تأويلٍ غير مستساغ [المُغْني لابن قدامة 8\548].

الردة فيما يوجب اعتقاده كفراً

يرتدُّ ويكفر من اعتقد أن النبيَّ عليه الصلاة والسلام كاذبٌ، أو في بعض ما جاء به، وكذلك يرتدُّ من اعتقد بأن شيئاً حلالاً، حيث إن الشريعة أجمعت جميعها بأن هذا الشيء حرام، كمن يقول أن الزنا، أو شرب الخمر حلالاً، مع أن الأدلة القاطعة من الكتاب، والسُّنَّة، والإجماع تقول بحُرمته [حاشية ابن عابدين 4\223-224، 230، المغني لابن قدامة 8\548، الإقناع للحجاوي 4\279، فتاوى السبكي 2\577]، كما أن الذي يتردد في الكفر يكفر [رسالة بدر الرشيد (مخطوطة) ورقة رقم: 2]، وقال الشافعية أن من نوى الكفر في المستقبل، يكفر الآن [كفاية الأخيار للحصني 2\202، الأعلام لابن حجر 2\231].

ردة الأقوال

الحلف بغير ملّة الإسلام كذباً

وردت بعض الأحاديث في هذا الباب، فعن بريدة بن الحصيب الأسلمي رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “مَن حلفَ، فقالَ: إنِّي بريءٌ منَ الإسلامِ، فإن كانَ كاذبًا فَهوَ كما قالَ، وإن كانَ صادقًا فلن يرجِعَ إلى الإسلامِ سالمًا” [صححه الألباني في صحيح أبي داود: 3258]، والمقصود هنا أن الذي يقسم على يمينٍ مُعلَّقٍ بقوله إني بريءٌ من الإسلام إن كنت كاذباً، وفي الحقيقة هو كاذب، فإنه بهذا القول يصبح كما قال، أي أنه بريءٌ من الإسلام، ويصير بهذا القول كافراً، وأما إن كان في الحقيقة صادقاً، فإنه لن يرجع للإسلام سالماً، أي أن إسلامه سيكون ناقصاً، بسبب استخفافه بالإسلام لمَّا قال هذه المقولة [1].

كما أنه ورد حديث آخر رواه ثابت بن الضحاك رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “مَن حَلَفَ علَى مِلَّةٍ غيرِ الإسْلامِ فَهو كما قالَ…” [صحيح البخاري: 6047]، المقصود هو أن الذي يحلف على يمينٍ على دينٍ غير دين الإسلام كذباً، فهو كما قال، كالذي يقول أنا يهوديٌّ، أو نصرانيٌّ إن كنتُ فعلت كذا، وفي الحقيقة هو فعلها، ولكنه كذب، ففي هذه الحالة يكون كما قال عن نفسه، ومن حلف بهذا اليمين تعظيماً لشأن ملةٍ غير ملة الإسلام يكفر أيضاً [2]، [نيل الأوطار للشوكاني 8\194].

الردة في سب الله سبحانه وتعالى ورسوله والإسلام

أجمعت الأمة على أن سابَّ الله سبحانه وتعالى، أو سابَّ رسوله صلى الله عليه وسلم، أو من سبَّ الإسلام، بأي نوعٍ من أنواع السَّبِّ، أو تنقَّص منهم، أو استهزأ، كان جادًّا، أو مازحاً، فهو كافرٌ مرتدٌّ عن الإسلام، حتى وإن صلى، وصام، وزكَّى، وحج، يقول الله تعالى: {وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ ۚ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (65) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} [التوبة: 65-66] [3]، وكذلك من تنقَّص، أو سبَّ أي أحد من الأنبياء السبقين، المقطوع بنبوتهم، أو سبَّ أي كتابٍ من الكتب السماوية، كالإنجيل، والتوراة، والزبور، وغيرها، فإنه كأنما سبَّ نبينا محمد صلى الله عليه وسلم [الصرم المسلول لابن تيمية ص: 570].

الردة في الأفعال

ذهب جمهور الفقهاء أن مما يوقع المسلم في الكفر بأفعاله، الاستهانة، والاستخفاف في المصاحف التي كُتب عليها القرآن الكريم، والأحاديث النبوية، إن كانت أحاديث قدسية، أو غيرها، كالذي يلقي هذه المصاحف، أو الأحاديث النبوية في مكان كله قذر، أو حتى بعضه قذر، أو إهانة المصحف، أو الأحاديث النبوية، لأن هذه الأفعال ليس من الممكن أن تأتي من شخص مؤمنٍ بالله [حاشية ابن عابدين 4\222، شرح منح الجليل لمحمد عليش 4\461، شرح الخرشي 8\62].

كما أن بعض الفقهاء قالوا بأن الذي يرضى بالكفر، أو يفرح به، أو يُسَرُّ لكفر أحدٍ آخر، يكفر ويرتد عن الإسلام، كذلك الذي يكفر الذي يُعَظِّم الكفر وأهله، أو يهين الإسلام وأهله، ومن كفر الأفعال أيضاً السجود للصنم، أو الشمس، أو القمر، أو أي شيءٍ آخر من دون الله، لأن السجور لا يحقُّ لأحد، أو لشيءٍ غير الله، أو من قام بفعلٍ يستهزء فيه من الإسلام، أو أي شعيرةٍ من شعائر الإسلام، جاداً كان أو مازحاً، يكفر، لقول الله تعالى: {وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ ۚ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (65) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} [التوبة: 65-66]، [الأعلام لابن حجر العسقلاني 2\57، حاشية ابن عابدين 4\222، الإنصاف للمرداوي 10\326].

أيضاً يرتدُّ المسلم الذي يهرب لبلاد الكفر باختياره ليساندهم، وليقاتل معهم ضد المسلمين، كذلك يكفر الذي يرفض حكم الله سبحانه وتعالى وتشريعه، وحكم نبيِّه صلى الله عليه وسلم، طبعاً إن لم يكن هناك شكٌّ في إسناد حديثٍ من الأحاديث التي فيها حكم الله ورسوله، ويُستدلُّ على ذلك بفعل عمر بن الخطاب لما قتل الرجل الذي رفض القبول، والانصياع لحكم النبي صلى الله عليه وسلم، كما يُستدَلُّ بقوله تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 65] [الإقناع للحجاوي المقدسي 4\299، الصارم المسلول على شاتم الرسول لابن تيمية ص: 39، المُحلَّى لابن حزم 11\241].

الردة في الترك

إن الذي يترك أي عبادةٍ من العبادات المُتَّفق على وجوبها، أو جحد أي فرضٍ من الفرائض التي أوجبها الله تعالى على المسلم، كبِرِّ الوالدين، أو جهاد فرض العين، أو غيرها من الفرائض، بحيث يكون إنكاره هذا جحوداً يكفر ويرتد عن الإسلام، وهذا باتفاق، وإجماع الأمة، كالذي يجحد وجوب الصلاة، أو الصيام، أو غيرها، وأما من تركها تكاسلاً فهنا يجب التفصيل، فالعبادات الثلاثة بشكلٍ عام، وهي الزكاة، والصيام، وحج البيت من استطاع إليه سبيلاً، والصلاةُ خاصةً اختلف العلماء في حكم تاركها تكاسلاً، من حيث كفره، أو عدم كفره، فتارك الصلاة بالكلية تهاوناً منه، أو تكاسلاً، يكفر ويرتد عن الإسلام، كما أنه تمَّ تبيان ذلك في مقال ما حكم تارك الصلاة [3]،  [أحكام المرتد في الشريعة الإسلامية للدكتور نعمان عبد الرزاق السامرائي ص: 103-113].

عقوبة المرتد في الشريعة الإسلامية

جاءت الآيات، والأحاديث، وإجماع الصحابة، والعلماء من بعدهم على أن عقوبة المسلم الذي يرتد عن الإسلام هي القتل، مع تباينٍ في حكم قتله، هل يُقتلُ حدًّا، أم رِدَّةً وكُفراً، لأن هذه الأحكام تختلف من حالة لأخرى، ويطول فيها الكلام، ولكن ما سيتمُّ تبيانه حكمه من ناحية العقوبة في الشريعة الإسلامية.

الأدلة من القرآن الكريم

إذا نُظِر في الأدلة الواردة في القرآن الكريم في عقوبة المرتد، نجدها في عقوبة الكافر المشرك، لأن المرتد هو نفسه الكافر المشرك، ولذلك نجد أن عقوبة المرتد هي القتل، لأنه كافرٌ ومشركٌ بالله تعالى، وبرسوله صلى الله عليه وسلم، يقول الله تعالى: {وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ} [البقرة: 191]، ويقول سبحانه وتعالى: {فَإِذَا انسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ} [التوبة: 5]، ويقول تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ} [الأنفال: 39]، ويقول سبحانه: {وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً} [التوبة: 36]، فهذه الآيات وغيرها تدل على أن حكم الكافر المشرك بالله ورسوله هو القتل، إلا من استثناه الشرع، كالمعاهد، والمستأمن، والذِّمِّيُّ، فنظر أهل العلم في حال المرتد، حيث إنه ليس من الأصناف التي استثناها الله، ورسوله من القتل، وهو مع هذا كافر مشرك، فاستنبطوا أن حكمه القتل.

قال الإمام الشافعيُّ رحمه الله: “الذي أبحت به دم المرتد، ما أباح الله به دماء المشركين” وله أقوالٌ أُخرى تجيز قتل المرتد، وذلك بعد استدلاله بالآيات التي تم ذكرها سابقاً [كتاب الأم للشافعي 2\572، 2\586]، وقال أبو بكر الرازي الجصاص في قوله تعالى: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ} [التوبة: 5]، قال: “والمرتد مشرك” [مختصر شرح الطحاوي للجصَّاص 6\113].

الأدلة من السنة النبوية

وردت الكثير من الأدلة الصحيحة الواردة في السُّنَّة النبوية المُطَهَّرة، يمكن ذِكرُ بعضها، فعن أبي موسى الأشعري أنه قال: “أَقْبَلْتُ إلى النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، ومَعِي رَجُلانِ مِنَ الأشْعَرِيِّينَ، أحَدُهُما عن يَمِينِي والآخَرُ عن يَسارِي، ورَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَسْتاكُ، فَكِلاهُما سَأَلَ، فقالَ: يا أبا مُوسَى، أو يا عَبْدَ اللَّهِ بنَ قَيْسٍ قالَ: قُلتُ: والذي بَعَثَكَ بالحَقِّ ما أطْلَعانِي علَى ما في أنْفُسِهِما، وما شَعَرْتُ أنَّهُما يَطْلُبانِ العَمَلَ، فَكَأَنِّي أنْظُرُ إلى سِواكِهِ تَحْتَ شَفَتِهِ قَلَصَتْ، فقالَ: لَنْ، أو لا نَسْتَعْمِلُ علَى عَمَلِنا مَن أرادَهُ، ولَكِنِ اذْهَبْ أنْتَ يا أبا مُوسَى، أو يا عَبْدَ اللَّهِ بنَ قَيْسٍ، إلى اليَمَنِ ثُمَّ اتَّبَعَهُ مُعاذُ بنُ جَبَلٍ، فَلَمَّا قَدِمَ عليه ألْقَى له وِسادَةً، قالَ: انْزِلْ، وإذا رَجُلٌ عِنْدَهُ مُوثَقٌ، قالَ: ما هذا؟ قالَ: كانَ يَهُودِيًّا فأسْلَمَ ثُمَّ تَهَوَّدَ، قالَ: اجْلِسْ، قالَ: لا أجْلِسُ حتَّى يُقْتَلَ، قَضاءُ اللَّهِ ورَسولِهِ، ثَلاثَ مَرَّاتٍ. فأمَرَ به فَقُتِلَ، ثُمَّ تَذاكَرا قِيامَ اللَّيْلِ، فقالَ أحَدُهُما: أمَّا أنا فأقُومُ وأنامُ، وأَرْجُو في نَوْمَتي ما أرْجُو في قَوْمَتِي” [البخاري: 6923، مسلم: 1733].

كذلك ظهر حكم المرتد الذي بدَّل دينه من الإسلام إلى الكُفر، هو القتل، كما رواه عبد الله بن عباسٍ رضي الله عنه: “أنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عنْه حَرَّقَ قَوْمًا، فَبَلَغَ ابْنَ عَبَّاسٍ، فَقالَ: لو كُنْتُ أنَا لَمْ أُحَرِّقْهُمْ؛ لأنَّ النَّبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قالَ: لا تُعَذِّبُوا بعَذَابِ اللَّهِ، ولَقَتَلْتُهُمْ، كما قالَ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: مَن بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ” [البخاري: 3017].

كما أنه ورد في الصحيحين حديث عبد الله بن مسعودٍ رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، يَشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وأَنِّي رَسولُ اللَّهِ، إلَّا بإحْدَى ثَلاثٍ: النَّفْسُ بالنَّفْسِ، والثَّيِّبُ الزَّانِي، والمارِقُ مِنَ الدِّينِ التَّارِكُ لِلْجَماعَةِ” [البخاري: 6878، مسلم: 1676]، فهذا الحديث يُبيِّنُ أن المسلم الذي يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله لايَحِلُّ دمه إلا بحقِّ الله، ومن حقوق الله التي يُهدر بها الدَّم، بيَّنها النبيُّ صلى الله عليه وسلم، أولها القاتل عمداً لنفسِ بغير حق، فإنه يُقتل لِقَتْله تل النفس قصاصاً، والثاني هو الزاني المحصن، أي المتزوج أو سبق له الزواج سابقاً، فإنه يُقتل حدًّا، وأما النوع الثالث هو المارق من الدين التارك للجماعة، وهو المرتد عن الإسلام لأي دينٍ آخر، أو أصبح ملحداً لا يؤمن بدين، وأصبح مفارقاً لجماعة المسلمين، فهذا يُقتل رِدَّةً [4].

الدليل من إجماع الصحابة والفقهاء جميعاً

إن فعل أحد الصحابةِ فعلاً، ووافقه جميع الصحابة، ولم يُنكر عليه أحدٌ فعله ذلك، فإن هذا يُعتبر إجماعاً بين الصحابة على أن هذا الفعل من الشرع الإسلامي، على سبيل المثال، ما نقله عبد الله بن شقيقٍ العقيلي عن أن الصحابة مجمعون على كفر تارك الصلاة، فقال: “كان أصحابُ محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لا يَرَونَ شيئًا من الأعمالِ تَرْكُه كفرٌ غيرَ الصَّلاةِ” [صحيح سنن الترمذي للألباني: 2622]، حيث أنه قد ورد عن الصحابة ما يدلُّ على كفر تارك الصلاة، وأنه لم ينكر أحدٌ منهم على الآخر بأن هذا الحكم ليس من الشريعة الإسلامية، وكذلك مثالٌ آخر، وعن المِسْوَرِ بنِ مَخرمةَ أنَّه دخَلَ مع ابنِ عبَّاس رَضِيَ اللهُ عَنْهما على عُمرَ رَضِيَ اللهُ عَنْه حين طُعِن، فقال ابنُ عبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهما: “يا أميرَ المؤمنين، الصَّلاةَ، فقال: أجَلْ، إنَّه لا حَظَّ في الإسلامِ لِمَنْ أضاعَ الصَّلاةَ” [صحح إسناده الألباني في إرواء الغليل 1\225]، حيث أن ابن عباس رضي الله عنهما، ومن كان معه لم ينكروا على عمر بن الخطاب مقولته، فهذا يدل على إجماعهم على موافقته في مقولته.

لذلك يُمكن القول أن الصحابة مجمعون على أن دم المرتد مهدور، لأنه نُقِل عنهم هذا الأمر في مسائل وقضايا متعددة، ولم يرد ولا قولٌ من أقوال الصحاب يدلُّ على إنكار هذا الحكم في المرتد، كذلك علَّق شيخ الإسلام على هذا الأمر،فقال: “واعلم أنه لا يمكن ادِّعاء إجماع الصحابة على مسألةٍ فرعية بأبلغ من هذا الطريق” [الصارم السلول على شاتم الرسول لابن تيمية ص: 200].

كما أن العلماء نقلوا إجماع الأمة -الصحابة من بعدهم- على أن حكم المرتد إما أن يُسلم ويرجع إلى الصواب، أو يُقتل، حيث إن الإمام الشافعي نوَّه إلى هذا الأمر، ونقل إجماع الأمة على أن الأمَّة اجتمعت على أن المرتد لا يُفادى، ولا يحقُّ له أن يفتدي نفسه، ولا يحقُّ للحاكم أو القاضي أن يَمُنَّ عليه، وإنما حكمه الإسلام، أو القتل، وهذا كان أيضاً قول الإمام أبو عيسى الترمذي، حيث أنه علَّق على الحديث المروي: “مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فاقتلوه”، فقال: “والعمل على هذا عند أهل العلم في المرتد” [كتاب الأم للإمام الشافعي 7\394، سنن الترمذي (كتاب الحدود، باب ما جاء في المرتد، عقب حديث رقم: 1458)]، وغير هذه الأقوال المنقولة، تكلم معظم أهل العلم الأائل، ونقلوا الإجماع على أن حكم المرتد هو القتل، يمكن الاطِّلاع عليها في كتاب [عقوبة المرتد في الشريعة الإسلامية وجواب معارضات المنكرين للشيخ محمد براء إسماعيل ص: 18-21].

أما رأي العلماء في العصور المتأخرة والقريبة من زماننا، فقد كان رأيهم أيضاً أن عقوبة المرتد هي القتل، لأن الأحاديث، والآيات الواردة في المسألة أكثر من أن تُحصر، وإنما كان الاختلاف بين العلماء في التفاصيل، في بعض أحكام المرتد، على سبيل المثال، هل يُستتاب أم لا يُستتاب، حيث أن حكم القتل للمرتد عندهم أمرٌ مبتوتٌ فيه، ولا خلاف عليه بإجماع الأمة من أولها إلى آخرها [سُبُل السلام للشيخ محمد بن إسماعيل الصَّنعاني 2\383، السَّيل الجَرَّار للشيخ محمد بن علي الشوكاني 4\372].

السابق
ما حكم الوشم المؤقت
التالي
حكم الوشم في الإسلام