إسلاميات

ما حكم بر الوالدين

ما حكم بر الوالدين

تعريف بر الوالدين

البِرُّ لغةً هو الإكرام، والإحسان، والفضل، والخير، وهو ضدُّ العُقوق [لسان العرب 4\54، المصباح المنير 1\43]، وبرُّ الوالدين اصطلاحاً هو الإحسان للوالدين، وفعل المعروف والجميل معهما، ويكون هذا البرُّ بالقول، والفعل، وكل هذا يكون تعبداً لله سبحانه وتعالى، وتقرُّباً إليه [أحكام بر الوالدين للشيخ محمد صالح المنجد ص: 13].

أحكام بر الوالدين من القرآن والسنة

وردت الكثير من الأدلة في القرآن الكريم، والسُّنَّة النبوية المُطَهَّرة عن أحكام بِرِّ الوالدين، وكُل هذه الأدلة تبين الأجر العظيم الذي جعله الله سبحانه وتعالى لكل مسلمٍ بارٍّ بوالديه، أو أحدهما، كما أنها تبيِّن أيضاً الوعيد، والعقاب الشديد لكلِّ عاقٍّ بوالديه.

بر الوالدين من أعظم الشعائر الإسلامية

يُعدُّ بِر الوالدين من بين أعظم الشعائر الدينية، التي جعل الله تعالى لها الأجر والثواب العظيم، قال تعالى: {وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا} [الإسراء: 23]، حيث إن الله قرَنَ بين عبادته وبر الوالدين، والإحسان لهما، وعدم فعل أو قول ما يؤذيهما، وهذا لأهمية بر الوالدين [1]، وبنفس المعنى تقريباً قوله تعالى: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ۖ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} [النساء: 36]، كما أن الله قرن شُكره بشكر الوالدين فقال سبحانه: {وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَىٰ وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ} [لقمان: 14]، فقال ابن كثير في هذه الآية وغيرها: “ثم أوصى بالإحسان إلى الوالدين ، فإن الله  سبحانه جعلهما سبباً لخروجك من العدم إلى الوجود ، وكثيراً ما يقرن الله سبحانه بين عبادته والإحسان إلى الوالدين” [2].

إقرأ أيضا:حكم تأخير صلاة العشاء

بر الوالدين من أحب الأعمال إلى الله تعالى

كان الصحابةُ رضوان الله عليهم أجمعين يحرصون على أن يقوموا بأفضل الأعمال التي تُقرِّبهم إلى الله سبحانه وتعالى، فكانوا يجتهدون بكل ما أوتوا من قوة للقيام بها، وكانوا أيضاً يسألون النبي صلى الله عليه وسلم، ويستفسرون منه عن أحب الأعمال إلى الله، حتى يعملوا بها، فعن عبد الله بن مسعودٍ رضي الله عنه، أنه سأل الرسول صلى الله عليه وسلم، فقال: “سَأَلْتُ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: أيُّ العَمَلِ أحَبُّ إلى اللَّهِ؟ قالَ: الصَّلاةُ علَى وقْتِها، قالَ: ثُمَّ أيٌّ؟ قالَ: ثُمَّ برُّ الوالِدَيْنِ، قالَ: ثُمَّ أيٌّ؟ قالَ: الجِهادُ في سَبيلِ اللَّهِ، قالَ: حدَّثَني بهِنَّ، ولَوِ اسْتَزَدْتُهُ لَزادَنِي” [البخاري: 527]، فلو نظرنا إلى هذا الحديث لوجدنا درجة بر الوالدين العظيمة، حيث إنها أخذت درجةً تفوق درجة الجهاد في سبيل الله، مع أن الجهاد فيه بذل المال، والنفس [3]، بل إن بر الوالدين من الجهاد نفسه، روى عبدالله بن عمرو رضي الله عنه، قال: “جَاءَ رَجُلٌ إلى النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَاسْتَأْذَنَهُ في الجِهَادِ، فَقَالَ: أحَيٌّ والِدَاكَ؟، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَفِيهِما فَجَاهِدْ” [البخاري: 3004].

بر الوالدين من أبواب الجنة وكفارةٌ للذنوب

فإن من أعظم الأجر أن يدخل المسلم الجنة التي وعد بها الله لعباده المتقين، وجعل الله لطريق الجنة سُبُلاً، وأعمالاً تحمل صاحبها إلى هذه الجنة التي عرضها كعرض السماء والأرض، ومن بين هذه الأعمال، بر الوالدين، روى معاوية بن جاهمة السلمي، قال: “أنَّ جاهِمةَ جاءَ إلى النَّبيِّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ ، فقالَ: يا رسولَ اللَّهِ ، أردتُ أن أغزوَ وقد جئتُ أستشيرُكَ ؟ فقالَ: هل لَكَ مِن أمٍّ ؟ قالَ: نعَم ، قالَ : فالزَمها فإنَّ الجنَّةَ تحتَ رِجلَيها” [النسائي: 3104، وحسَّنه الألباني في إرواء الغليل: 7145]، فبِرُّ الأم من أجل الأعمال التي يتقرب بها المسلم إلى ربه سبحانه وتعالى حتى ينال الجنة [4]، بل إن بر الأبوين من أسباب دخول أعظم أبواب الجنة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “الوالِدُ أوسطُ أبوابِ الجنَّةِ، فإنَّ شئتَ فأضِع ذلك البابَ أو احفَظْه” [الترمذي: 1900، وهو في الصحيح الجامع: 7145] [5].

إقرأ أيضا:دعاء ركوب السيارة

إن بر الوالدين كفارةٌ للذنوب، وسبب للنجاة من عقاب الله سبحانه وتعالى، ونار جهنم، فعن عطاء بن يسار، عن عبدالله بن عباس رضي الله عنهما: “أنَّهُ أتاهُ رجلٌ، فقالَ: إنِّي خَطبتُ امرأةً فأبَت أن تنكِحَني، وخطبَها غَيري فأحبَّت أن تنكِحَهُ، فَغِرْتُ علَيها فقتَلتُها، فَهَل لي مِن تَوبةٍ؟ قالَ : أُمُّكَ حَيَّةٌ؟ قالَ: لا، قالَ: تُب إلى اللَّهِ عزَّ وجلَّ، وتقَرَّب إليهِ ما استَطعتَ، فذَهَبتُ فسألتُ ابنَ عبَّاسٍ: لمَ سألتَهُ عن حياةِ أُمِّهِ؟ فقالَ: إنِّي لا أعلَمُ عملًا أقرَبَ إلى اللَّهِ عزَّ وجلَّ مِن برِّ الوالِدةِ” [رواه البخاري في الأدب المُفرد: 4، وصَحَّحه الألباني في صحيح الأدب المفرد: 4].

بر الوالدين سبب لاستجابة الدعاء

دلَّت الأحاديث على أن برَّ الوالدين سبب لاستجابة الدعاء، كحديث النَّفر الثلاثة الذين أَغلقت الصخرة باب الغار الذي أَوَوْ إليه، فدعى كل واحدٍ منهم بأفضل الأعمال التي عملها لوجه الله تعالى، وكان واحدٌ منهم دعا الله ببرِّه لوالديه، وقد بَوَّبَ البُخاريُّ على هذا الحديث، باب إجابة دعاء من بَرَّ والديه، فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “اللَّهُمَّ إنَّه كانَ لي وَالِدَانِ شيخَانِ كَبِيرَانِ، وَلِي صِبْيَةٌ صِغَارٌ، كُنْتُ أَرْعَى عليهم، فَإِذَا رُحْتُ عليهم حَلَبْتُ، فَبَدَأْتُ بوَالِدَيَّ أَسْقِيهِما قَبْلَ بَنِيَّ، وإنِّي اسْتَأْخَرْتُ ذَاتَ يَومٍ، فَلَمْ آتِ حتَّى أَمْسَيْتُ، فَوَجَدْتُهُما نَامَا، فَحَلَبْتُ كما كُنْتُ أَحْلُبُ، فَقُمْتُ عِنْدَ رُؤُوسِهِما أَكْرَهُ أَنْ أُوقِظَهُمَا، وَأَكْرَهُ أَنْ أَسْقِيَ الصِّبْيَةَ، وَالصِّبْيَةُ يَتَضَاغَوْنَ عِنْدَ قَدَمَيَّ حتَّى طَلَعَ الفَجْرُ، فإنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُهُ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ، فَافْرُجْ لَنَا فَرْجَةً نَرَى منها السَّمَاءَ، فَفَرَجَ اللَّهُ، فَرَأَوُا السَّمَاءَ” [البخاري: 2333، مسلم: 2743].

إقرأ أيضا:صيام العشر من ذي الحجة

بر الوالدين رد لبعض حقِّهما، واعترافٌ بالجميل لهما

مهما حاول الولد أن يردَّ لوالديه حقهما، فإنه لن يستطيع مهما حاول، ولكنه يحاول أن يرد بعضاً منه ببرِّهما، إلا أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم أخبر أنه هناك حالةٌ واحدةٌ يستطيع الولد أن يُوفِّيَ حقَّ والده بشكلٍ كامل، وهي في قوله عليه الصلاة والسلام: “لا يَجْزِي ولَدٌ والِدًا، إلَّا أنْ يَجِدَهُ مَمْلُوكًا فَيَشْتَرِيَهُ فيُعْتِقَهُ، وفي رِوايَةِ ابْنِ أبِي شيبَةَ: ولَدٌ والِدَهُ” [مسلم: 1510]، أي إن وجد الابن أباه مملوكاً لأحدٍ كعبد، وقام هذا الولد بشرائه من ماله الخاص، ثم أعتقه، فصار أبوه حرًّا، هنا يمكن القول أن الولد قد وفَّى حقَّ أبيه بالكامل [6]، لكن ماذا بالنسبة للأم، فقد رُوِيَ أن رجلاً سأل عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، وهو يطوف بالبيت، وقد حمل أمه وراء ظهره، وهو يقول: إِنِّي لَهَا بَعيرُها المُذَلَّلْ    إِنْ أثذْعِرَتْ رِكابُها لَمْ أثذْعَرْ ثم قال: يا ابن عمر، أتراني جَزيتُها؟ فقال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: “لا، ولا بزفْرَةٍ واحدةٍ” [صححه الألباني في صحيح الأدب المُفرد: 9]، والزَّفرة، هي تردد النَّفس، وهو ما يحدث للمرأة أثناء والولادة [حاشية كتاب أحكام بر الوالدين للشيخ محمد صالح المنجد ص: 19].

كيف يكون بر الوالدين

استنبط العلماء من القرآن والسُّنَّة النبوية لكيفية بر الوالدين، يمكن ذِكر بعضها كما يلي:

  • إحسان القول، الدالِّ على المحبَّةِ والرِّفق، وتجنُّب رفع الصوت، وغليظ القول.
  • طاعتهما في غير معصية الله سبحانه وتعالى، بحيث يكون في هذه الطاعة منفَعةٌ لهما، بالفِعلِ، أو التَّرك، وأن لا يكون فيه ضررٌ على الولد.
  • مناداتهما بأحب الأسماء، والألفاظ لهما، وليس باسميهما، لأن مناداة الوالدين باسميهما من العقوق، بل يناديهما بأبي، وأمي، أو يا أبَتِ، ويا أبتاه، ويا أُمَّاه.
  • تقبيل يديهما، ورأسيهما، والإنفاق عليهما، وتلبية متطلباتهما، وكل ما يحتاجانه، من دون أن يطلبا، طبعاً إن كان عالما بأنهما بحاجة شيء معين.
  • تعليمهما ما يحتاجان إليه من أمور دينهما، أو دنياهما.
  • إدخال السُّرور عليهما، وإبعادهما عن كل شيء يُحزنهما ما استطاع.
  • استئذانهما في السَّفر. [أحكام بر الوالدين للشيخ محمد صالح المنجد ص: 23].
السابق
ما حكم العطور في رمضان
التالي
ما حكم تارك الصلاة