هجرة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم

هجرة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم

تكالبت الأحزان يومًا بعد يوم على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فجاءت فكرة هجرة الرسول خير معين له بعد أن ضاقت عليه الأرض بما رحبت، بعد موت عمه أبي طالب الذي كان يحبه حبًا جمًا، وزوجته الحنون خديجة بنت خويلد -رضي الله عنها- في العام ذاتها، واتخذ الحزن سبيله في قلب الرسول، وقريش تزيد من إيذاء الرسول بين الفينة والأخرى؛ فعزم على الخروج من مكة؛ عله يجد نصرة في الأماكن المجاورة، فهاجر إلى المدينة في اليوم السابع والعشرين من شهر صفر من السنة الثالثة عشر للبعثة، وذلك بعد عدة أسباب أجبرته على ذلك، ثم أسلم الأنصار وهاجر الصحابة أيضًا إلى المدينة، وكانت النتيجة مثمرة كما يرجو الرسول؛ فحدث التكافل الاجتماعي، وبناء الاقتصاد، وتكوين قوة عسكرية، وأيضًا بناء المسجد النبوي في تسلسل أحداث مهيب.

تاريخ الهجرة النبويّة 

إن تاريخ هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة كان في اليوم السابع والعشرين من شهر صفر من السنة الثالثة عشر للبعثة، الموافق الثالث عشر من الشهر التاسع في عام ستمائة واثنان وعشرون من السنة الميلادية.

قصة هجرة الرسول 

الخروج إلى الطائف

من مراحل هجرة الرسول الخروج إلى الطائف، وكان بمفرده، من أجل إيجاد مركز جديد للدعوة، وأن يقبلوا منه ما جاءهم به من الله عز وجل، ولكن ثقيفًا لم تستجب له، وأغرى زعماؤها وأشرافها صبيانهم، وعبيدهم، وسفاؤهم؛ كي يسبونه ويصيحون به، واجتمع عليه الناس، ورشقوه بالحجارة؛ فانطلق وهو مهموم، وأرسل الله -عز وجل- إليه جبريل، وملك الجبال -عليهما السلام- فسلما على النبي، وقال ملك الجبال إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين لفعلت؟ فقال له رسول الله -صلى الله عليه- بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا، وقد كان.

إعلان السوق المفتوح

عرض النبي نفسه على قبائل العرب

حرص الرسول -صلى الله عليه وسلم- على الاجتماع بالناس، وتبليغهم دعوة الإسلام، وكان يتحرى مواضع اجتماع القبائل، خاصة في موسم الحج، وفترات عقد أسواق العرب، حيث كان يلتقي بذوي الشأن من رؤساء القبائل، وغيرهم، ويطالب الرؤساء بحمايته دون أن يكره أحدًا على قبول دعوته.

بيعة العقبة الأولى 

تمت هذه البيعة في السنة الثانية عشر للبعثة قبل هجرة الرسول بعام، حيث كانوا اثني عشر رجلًا، وعن عبادة بن الصامت -رضي الله عنه- قال: “كنت فيمن حضر العقبة الأولى، وكنا اثني عشر رجلًا؛ فبايعنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على بيعة النساء، وذلك قبل أن تفترض الحرب، على أن لا نشرك بالله شيئًا، ولا نسرق، ولا نزني، ولا نقتل أولادنا، ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا، ولا نعصيه في معروف، فقال لهم الرسول: فإن وفيتم فلكم الجنة، وإن غشيتم من ذلك شيئًا، فأمركم إلى الله إن شاء عذبكم، وإن شاء غفر لكم”.

اقرأ أيضاً:  أحكام الطهارة من الحيض

إسلام الأنصار

 عّرَض رسول الله لنفر من الأنصار يبلغون الستة، وكلهم من الخزرج، ألا وهم: عوف بن الحارث من بني النجار، وأسعد بن زرارة، ورافع بن مالك من بني زريق، وعقبة بن عامر من بني حَرام، وقُطْبة بن عامر من بني سَلِمة، وجابر بن عبد الله من بني عبيد بن عدي، ودعاهم الرسول -صلى الله عليه وسلم- إلى الإسلام، وإلى معاونته في تبليغ رسالة ربه، فقال بعضهم لبعض: إنه للنبي الذي كانت تَعِدُكم به يهود فلا يَسْبِقُنَّكُمْ إليه، فآمنوا به وصدّقوه، وقالوا: إنا تركنا قومنا بينهم من العداوة ما بينهم، فإن يجمعهم الله عليك فلا رجل أعزّ منك، ووعدوه المقابلة في الموسم المقبل، وهذا هو بَدء الإسلام لعرب يثرب.

بيعة العقبة الثانية 

يصف هذه البيعة المباركة كعب بن مالك -رضي الله عنه- يقول: خرجنا إلى الحج، وواعدنا رسول الله بالعقبة من أوسط أيام التشريق، قال: فلما فرغنا من الحج، وكانت الليلة التي واعدنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لها، ونحن ثلاث وسبعون رجلًا، ومعنا امرأتان من نسائنا عند شعب العقبة؛ فقلنا يا رسول الله على ما نبايعك؟

قال: “تبايعوني على السمع والطاعة في المنشط والكسل، وعلى  الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وأن تقولوا لله، لا تخافو في الله لومة لائم، وعلى أن تنصروني فتمنعوني، إذا قدمت عليكم مما تمنعون منه أنفسكم، وأزواجكم 

وأبنائكم، ولكم الجنة”(تخريج المسند: صحيح)، قال: فقمنا إليه فبايعناه.

هجرة الصحابة إلى المدينة 

هجرة آل أبي سلمة

اعتمدت قريش أساليب عديدة لعرقلة هجرة الرسول والمسلمين إلى يثرب، وأجمع أبو سلمة الخروج إلى المدينة، وجاء بالبعير، ثم حملها عليه، وحمل ابنه ووضعه فى حجرها، ثم خرج يقود البعير، فلما رأته رجال بنى المغيرة؛ فقاموا إليه: علام نتركك تسير بزوجتك فى البلاد؟ فأخذوا زوجته منه، وجاء بنو عبد الأسد، وأخذوا ولده؛ ففرقوا بينه وبين زوجته وولده، وهاجر أبو سلمة إلى المدينة، وبقيت زوجته وولده، وظلت تبكي وتخرج كل غداة، وتجلس بالإبطح حتى قرابة العام؛ فرآها أحد بني المغيرة فرحمها، وقال لبني المغيرة: ألا تخرجون هذة المسكينة فرقتم بينها، وبين زوجها، وبين ولدها؟ فتركوها تلحق بزوجها، وشيعها عثمان بن أبي طلحة إلى المدينة، وكانت تقول أم المؤمنين أم سلمة -رضي الله عنها- والله ما أعلم أهل بيت في الإسلام أصابهم ما أصاب آل أبي سلمة.

اقرأ أيضاً:  حكم أخذ القرض الربوي للحاجة الماسة

هجرة عمر بن الخطاب 

عندما سمع عمر -رضي الله عنه- عن هجرة الرسول -صلى الله عليه وسلم- فأراد أن يهاجر خلف الحبيب، ووقف أمام المشركين موقفًا أذل فيه أنوفهم، وأظهر عجزهم، وألقى الرعب فى قلوبهم، فعن ابن العباس -رضي الله عنهما- قال: قال لعلي بن أبى طالب: ما علمت أن أحداً من المهاجرين هاجر إلامختفيًا إلا عمر بن الخطاب، فأنه لما هم بالهجرة تقلد سيفه، وتنكب قوسه، وانتضى في يديه أسهمًا، واختصر عنزته، ومضى قبل الكعبة، والملأ من قريش بفنائها، فطاف بالبيت سبعًا متمكنًا، ثم أتى المقام فصلى ركعتين، ثم وقف على الحلق واحدة واحدة، وقال لهم : شاهت الوجوه، لا يرغم إلا هذه المعاطس، من أراد أن تثكله أمه، ويوتم ولده، ويرمل زوجته؛ فليلقني وراء هذا الوادي، قال علي: فما تبعه أحد إلا قوم من المستضعفين علمهم، وأرشدهم، ومضى لوجهه.

هجرة صهيب بن سنان الرومي

لما خرج صهيب مهاجرًا تبعه أهل مكة؛ فنثل كنانه فأخرج منها أربعين سهمًا، فقال: “لا تصلون إلي حتى أضع في كل رجل منكم سهمًا، ثم أصير بعد إلى السيف فتعلمون أنى رجل، وقد خلفت بمكة قينتين فهمًا لكم” ونزلت على النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ} [البقرة: 207]، فلما رآه النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: “أبا يحيى ربح البيع” وتلا عليه الآية، وعن أبي عثمان أن صهيبًا حين أراد الهجرة، قال له أهل مكة: أتيتنا صعلوكًا حقيرًا، فتغير حالك! قال: أرأيتم إن تركت مالي، أمخلون أنتم سبيلي؟ قالوا: نعم، فخلع لهم ماله؛ فبلغ ذلك النبي-صلى الله عليه وسلم- فقال: “ربح صهيب، ربح صهيب”.

أسباب الهجرة النبويّة 

إيذاء المشركين للمسلمين

لقد نفس الكفار أغلب أحقادهم على الإسلام ومعتنقيه، حيث كان المشركون يبلغون من أصحاب الرسول من العذاب ما يعزرون به في ترك دينهم، وكانوا يضربون أحدهم، ويجوعونهم ويعطشونهم، وأذاقوهم أشد العذاب، وكانوا المسلمون يقاومون العذاب بالصبر، والتضحية.

حصار قريش للمسلمين 

اجتمع كفار مكة اجتماعًا طارئًا وعاجلاً، بعدما رأوا من اجتماع بني عبد مناف للدفاع عن رسول الله، فاجتمعوا على حصار اقتصادي لبني عبد مناف، واتباع سياسة التجويع الجماعي لهم، فلاقى المسلمون أكثر الأيام جوعًا يومئذ.

تآمر المشركين على قتل الرسول 

إن الملأ من قريش اجتمعوا في الحجر، فتعاقدوا  باللات والعزى، ومناة الثالثة الأخرى، ونائلة وإساف، لو قد رأينا محمدًا لقد قمنا إليه قيام الرجل واحد، فلم نفارقه حتى نقتله، فأقبلت ابنته فاطمة تبكي حتى دخلت على رسول الله، فقالت: هؤلاء الملأ من قريش قد تعاقدوا عليك لو قد رأوك لقد قاموا إليك فقتلوك، فليس منهم رجل إلا قد عرف نصيبه من دمك، فقال: يا بنية أرينى وضوءًا، فتوضأ ثم دخل عليهم المسجد، فلما رأوه قالوا: ها هو ذا، وخفضوا أبصارهم، وسقطت أذقانهم في صدورهم، وعقروا في مجالسهم، فلم يرفعوا إليه بصرًا، ولم يقم رجل، فأقبل رسول الله حتى قام على رؤوسهم، فأخذ قبضة من التراب، فقال: شاهت الوجوه، ثم حصبهم بها فما أصاب رجلًا منهم من ذلك الحصى حصاة إلا قتل يوم بدر كافرًا.

اقرأ أيضاً:  دعاء للمريض بنية الشفاء من مرضه

نتائج الهجرة النبويّة 

التكافل الاجتماعي

من نتائج الهجرة النبوية: التكافل الاجتماعي بعدما آخى الرسول بين المهاجرين والأنصار، وهنا سطر التاريخ أسمى معاني المحبة والإيثار في سبيل الله، حيث ضحّى الأنصار في سبيل تقديم العون لإخوانهم المهاجرين،  وقاسموهم كل ما يملكونه من ديار وأموال، وغيرها، وقد ذكر القرآن الكريم هذا التآخي، فوصفه، فقد قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}[الحشر: 9].

بناء الاقتصاد

كان بناء الاقتصاد من النتائج المثمرة للهجرة النبوية، عن طريق إقرار نظام اقتصادي إسلامي، بناء وإقامة السوق القائم على المساواة والعدل في إطار الدين الإسلاميّ، ممّا جعل النّاس يطمئنوا لهذا السوق؛ فهجروا سوق بني قينقاع إلى سوق المسلمين في المدينة؛ لكثرة انتشار الأمانة والصدق فيه، والبعد عن أسباب الاحتكار والغِش.

تكوين قوة عسكرية

تكوين قوة عسكرية إسلامية، حيث بدأ الرسول محمد -صلّى الله عليه وسلّم- بإعداد جيشٍ إسلاميٍّ قوي، يقاتل في سبيل الله -تعالى-، ويكون حماية ونصرة للإسلام، وهذا الجيش المؤمن بالله حق إيمانه استطاع أن يهزم في عهد عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أقوى جيوش الدنيا: الفرس، والروم.

بناء المسجد النبوي 

بعد هجرة الرسول -صلى الله عليه وسلم- ركب راحلته، فسار معه الناس حتى بركت راحلته، وكان مربدًا للتمر لسهيل، وسهل غلامين يتيمين فى حجر أسعد بن زرارة فقال: رسول الله إن شاء الله المنزل، ثم دعا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الغلامين فساومهما بالمربد؛ ليتخذه مسجدًا، فقالا: لا، بل نهبه لك يا رسول الله، فأبى رسول الله أن يقبله منهما هبة حتى ابتاعه منهما، ثم بناه مسجدًا، وجعل -صلى الله عليه وسلم- قبلته إلى بيت المقدس، وكان له ثلاثة أبواب مبنيًا باللبن، وسقفه الجريد، وعمدانه من خشب النخل.

مقالات مشابهة

سورة العلق وسبب نزولها وفضلها مع التفسير

سورة العلق وسبب نزولها وفضلها مع التفسير

السيرة الكاملة لقابيل وهابيل

السيرة الكاملة لقابيل وهابيل

ما هو حكم الوشم في الإسلام

ما هو حكم الوشم في الإسلام

ما هي أركان الحج

ما هي أركان الحج

دليلك الشامل عن قوم عاد مع القصة

دليلك الشامل عن قوم عاد مع القصة

شروط الصيام

شروط الصيام

تعريف الحج وأركانه

تعريف الحج وأركانه